عبد الرحمن السهيلي
159
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
الأنصار ، وقيل : أراد أنه كان يبشره إذا رآه عند القدوم من أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم ، وذلك فعل المحب ، وقيل : بل حبه حقيقةً ، وضع الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود ، وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله فيها : « وإِنَّ مِنْها لَمَا يَهبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّه » وفي الآثار المسندة أن أحداً يوم القيامة عند باب الجنة من داخلها ، وفي بعضها أنه ركن لباب الجنة ، ذكره ابن سلام في تفسيره ، وفي المسند من طريق أبي عبس بن جبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحد يحبنا ونحبه ، وهو على باب الجنة ، قال : وعير يبغضنا ونبغضه ، وهو على باب من أبواب النار ، ويقويه قوله صلى الله عليه وسلم : المرء مع من أحب ، مع قوله : يحبنا ونحبه ، فتناسبت هذه الآثار ، وشد بعضها بعضاً . موافقة اسم جبل أحد للتوحيد : وقد كان عليه السلام يحب الاسم الحسن ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية ، وقد سمى الله هذا الجبل بهذا الاسم ، تقدمةً لما أراده سبحانه من مشاكلة اسمه ، ومعناه ، إذ أهله وهم الأنصار نصروا التوحيد والمبعوث بدين التوحيد ، عنده استقر حياً وميتاً ، وكان من عادته عليه السلام أن يستعمل الوتر ويحبه في شأنه كله استشعاراً للأحدية ، فقد وافق اسم هذا الجبل لأغراضه عليه السلام ومقاصده في الأسماء ، فقد بدل كثيراً من الأسماء استقباحاً لها من أسماء البقاع وأسماء الناس ، وذلك لا يحصى كثرةً ؛ فاسم هذا الجبل من أوفق الأسماء له ، ومع أنه مشتق من الأحدية ، فحركات حروفه الرفع ، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد ، وعلوه ، فتعلق الحب من النبي صلى الله عليه وسلم به اسماً ومسمى ، فخص من بين الجبال بأن يكون معه في الجنة ، إذا بست الجبال بساً ، فكانت هباءً منبثاً وفي أحد قبر هارون أخي موسى عليهما السلام ، وفيه قبض ، وثم واراه موسى عليه السلام ، وكانا قد مرا بأحد حاجين ، أو معتمرين ، روي هذا المعنى في حديث أسنده الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب فضائل المدينة . وذكر ابن إسحاق مسير قريش بالظعن التماس الحفيظة ، والحفيظة . الغضب للحرم ، ويقال : أحفظ الرجل إذا أغضب . رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم : فصل : وذكر رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى بقراً تنحر حوله ، وثلمةً في سيفه وفي غير السيرة قال : رأيت بقراً تنحر والله خير ، فأولت الخير ما جاء الله به من الخير يوم بدر ، وقد كانت بدر قبل أحد ، ولكن نفع الله بذلك الخير الذي كان في يوم بدر ، وكان فيه تأسية وتعزية لهم ، فلذلك تضمنته الرؤيا بقول الله تعالى : « أَوَ لَمَّا أصَابتْكُمْ مُصيبَةٌ قد أَصَبْتُم مِثْلَيها » وفي البخاري : ما جاء الله به من الخير بعد بدر . وفي مسلم : وإذا الخير ما جاء الله به بعد وثواب الصدق الذي أتانا الله به يوم بدر ، وهذه أقل الروايات إشكالاً . قال المؤلف أبو القاسم السهيلي : أما البقر فعبارة عن رجال مسلحين يتناطحون وقد رأت عائشة رضي الله عنها مثل هذا ، فكان تأويله قتل من قتل معها يوم الجمل . وقوله : والله خير ، أي : رأيت بقراً تنحر ، ورأيت هذا الكلام ، لأن الرائي قد يمثل له كلام في خلده ، فيراه بوهمه ، كما يرى صورة الأشياء ، ومن خبر أحوال الرؤيا عرف هذا من نفسه ، ومن غيره ، لكن الصور المرئية في النوم تكون في الغالب أمثالاً مضروبةً ، وقد تكون على ظاهرها ، وأما الكلام الذي يسمعه بسمع